ابن جبير
128
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )
فيها الشمع فاستدار المحراب كله وأوقدت الثريا المغصنة ذات الفواكه وأمعن الاحتفال في هذا كله ووضع بمقربة من الحراب منبر مجلل بكسوة مجزعة مختلفة الألوان وحضر الامام الطفل فصل التراويح وختم وقد انحشد أهل المسجد الحرام اليه رجالا ونساء وهو في محرابه لا يكاد يبصر من كثرة شعاع الشمع المحدق به ثم برز من محرابه رافلا في أفخر ثيابه بهيبة إمامية وسكينة غلامية مكحل العينين مخضوب الكفين إلى الزندين فلم يستطع الخلوص إلى منبره من كثرة الزحام فأخذه أحد سدنة تلك الناحية في ذراعه حتى ألقاه على ذروة منبره فاستوى مبتسما وأشار على الحاضرين مسلما وقعد بين يديه قراء فابتدروا القراءة على لسان واحد فلما أكملوا عشرا من القرآن قام الخطيب فصدع بخطبة يحرك لها أكثر النفوس من جهة الترجيع لا من جهة التذكير والتخشيع وبين يديه في درجات المنبر نفر يمسكون أنوار الشمع في أيديهم ويرفعون أصواتهم بيا رب يا رب عند كل فصل من فصول الخطبة يكررون ذلك والقراء يبتدرون القراءة في أثناء ذلك فيسكت الخطيب إلى أن يفرغوا ثم يعود لخطبته وتمادى فيها متصرفا في فنون من التذكير وفي أثنائها اعترضه ذكر البيت العتيق كرمه الله فحسر عن ذراعيه مشيرا اليه وأردفه بذكر زمزم والمقام فأشار إليهما بكلتا إصبعيه ثم ختمها بتوديع الشهر المبارك وترديد السلام عليه ثم دعا للخليفة ولكل من جرت العادة بالدعاء له من الأمراء ثم نزل وانفض ذلك الجمع العظيم وقد استظرف ذلك الخطيب واستنبل وإن لم تبلغ الموعظة من النفوس ما أمل والتذكرة إذا خرجت من اللسان لم تتعد مسافة الأذان ثم ذكر ان المعينين من ذلك الجمع كالقاضي وسواه خصوا بطعام حفيل وحلوا على عادتهم في مثل هذا المجتمع وكانت لأبي الخطيب في تلك الليلة نفقة واسعة في جميع ما ذكر